سياسة مصر الخارجية ومحاولات الاستقلال عن الدولة العثمانية
لم تكن لمصر قبل عهد محمد علي سياسة خارجية واضحة، فقد كانت مجرد ولاية تابعة للسلطان العثماني، تلتزم بما يقرره في السلم والحرب. لكن بعد تولي محمد علي، وبدء مشروعه لبناء الدولة الحديثة، بدأت ملامح سياسة مصر الخارجية في التشكل. هذه السياسة مرت بمرحلتين فاصلتين:
المرحلة الأولى: مرحلة التبعية للسلطان العثماني، حيث خاض محمد علي حروباً كوالٍ تابع للسلطان، ولكنها ساهمت في بناء قوته الذاتية.
المرحلة الثانية: مرحلة محاولات الاستقلال التام، حيث أدرك محمد علي، خاصة بعد الصدام مع السلطان في الشام، أهمية وجود “رابطة عربية” تضم مصر والسودان والشام والجزيرة العربية، في مواجهة الرابطة العثمانية.
حروب تمت بأمر السلطان: حرب شبه الجزيرة العربية (١٨١١ – ١٨١٩م)
كانت هذه أولى حروب محمد علي الخارجية، وجاءت كاستجابة مباشرة لأوامر السلطان العثماني للقضاء على “الدعوة الوهابية” (الحركة الوهابية) في الحجاز، والتي هددت نفوذ السلطان في قلب العالم الإسلامي.
نتائج الحرب
كانت نتائج هذه الحرب حاسمة لمحمد علي، ليس فقط كقائد عسكري بل كرجل دولة. أدت الحرب إلى توطيد مركزه كوالٍ تابع للسلطان ورفعت قدره من مجرد والٍ إلى حاكم مستقل فعلياً.
- أصبح لمصر وجود عسكري وسياسي في الجزيرة العربية.
- تسلّم ابنه إبراهيم ولاية جدة، وأُسندت لمحمد علي “مشيخة الحرم المكي”.
- توسع المجال المصري ليشمل الحجاز ونجد وعسير وأجزاء من اليمن والخليج العربي.
- أصبح لمصر دور حيوي في تكوين “الرابطة العربية” في مواجهة الرابطة العثمانية.
- دفعت هذه الحرب بريطانيا للبدء في مراقبة محمد علي بعين الحذر، خشية على طرق مواصلاتها للهند.
حروب تمت بإرادة محمد علي: ضم السودان (١٨٢٠ – ١٨٢٢م)
على عكس حرب الحجاز، كانت هذه الحرب بمبادرة كاملة من محمد علي لأهداف تخدم مشروعه الخاص. لم تكن مجرد حملة عسكرية، بل كانت مشروعاً توسعياً استراتيجياً.
أهداف ضم السودان
كانت أهداف محمد علي متعددة، تمثلت في:
- سياسياً: ملاحقة المماليك الفارين من مذبحة القلعة إلى “دنقلة” في السودان.
- اقتصادياً: اكتشاف مناجم الذهب والماس لتمويل مشاريعه، وتنمية التجارة.
- عسكرياً: تجنيد السودانيين في الجيش المصري (وهو ما فشل فيه).
- استراتيجياً: تحقيق الأمن القومي لمصر من جهة الجنوب، وتأمين الامتداد الطبيعي لها في وادي النيل.
إجراءات محمد علي في السودان
لم يكتفِ محمد علي بالضم العسكري، بل قام بإجراءات إدارية لتثبيت الوجود المصري:
- وحّد أجزاء السودان لأول مرة تحت اسم “السودان”.
- عين حاكماً عاماً برتبة “حكمدار” يجمع في يده السلطتين العسكرية والمدنية.
- قام بتقسيم السودان إلى مديريات وإدارات على نفس النظام الإداري المصري.
- بنى مدن جديدة مثل “الخرطوم” (أصبحت العاصمة ١٨٣٠م) و”كسلا”.
- أدخل محاصيل مصرية إلى السودان وجلب أبناء زعماء السودان للدراسة في مصر.
اختر – ارتبط ظهور فكرة الرابطة العربية لدى محمد علي في النصف الأول من القرن الـ ١٩ بـ:
(أ) ابتلاع الشام كجناح مستفل لمصر. (ب) معارضة الإنجليز لوجوده في شبه الجزيرة العربية. (ج) القضاء على الحركات الانفصالية عن العثمانيين. (د) التوتر العسكري مع السلطان العثماني.
الإجابة: (د) التوتر العسكري مع السلطان العثماني. (فكر في الرابطة كوسيلة لمواجهة السلطان).
حروب تمت بأمر السلطان: حرب اليونان (المورة) (١٨٢١ – ١٨٢٨م)
مرة أخرى، استجاب محمد علي لأوامر السلطان العثماني، وهذه المرة لإخماد ثورة اليونانيين في “المورة” الذين طالبوا بالاستقلال عن الدولة العثمانية.
نتائج حرب اليونان
رغم أن الجيش المصري حقق انتصارات في البداية، إلا أن النتائج النهائية كانت كارثية عسكرياً، ولكنها كانت مكسباً سياسياً هائلاً لمحمد علي.
- عسكرياً (خسارة): انتهت الحرب بتدمير الأسطول المصري (والتركي) بالكامل في “موقعة نڤارين” عام ١٨٢٧م على يد الأساطيل الأوروبية.
- سياسياً (مكسب): كانت هذه الحرب نقطة تحول فاصلة. فبعد المعركة، قامت الدول الأوروبية بالتفاوض مع محمد علي “مباشرة” لإنهاء الحرب، دون الرجوع للسلطان العثماني.
- هذا التفاوض المباشر أكسب محمد علي مكانة دولية، ورفعت من شأن مصر كدولة مستقلة فعلياً.
- ضم محمد علي “جزيرة كريت” كتعويض، ونمت في رأسه فكرة الانفصال التام عن الدولة العثمانية.
حروب تمت بإرادة محمد علي: حرب الشام الأولى (١٨٣١ – ١٨٣٣م)
بعد حرب اليونان، طلب محمد علي من السلطان منحه “بلاد الشام” كتعويض عن خسائره الفادحة في اليونان، لكن السلطان رفض وأعطاه “جزيرة كريت” التي لم تكن ترضى طموحه. هذا الرفض، إلى جانب رغبة محمد علي في تأمين المجال الحيوي الشمالي لمصر، دفعه لقرار الحرب.
أسباب وذرائع الحرب
كانت الذريعة المعلنة هي رغبة محمد علي في إعادة الفلاحين المصريين الهاربين من التجنيد والضرائب إلى الشام، ورفض والي عكا إعادتهم.
أما الأسباب الحقيقية فكانت:
- تعويض خسائره في اليونان وتحقيق حلمه القديم بضم الشام.
- تأمين حدود مصر الشمالية الشرقية.
الانتصارات المصرية
حققت الجيوش المصرية بقيادة إبراهيم باشا انتصارات ساحقة وسريعة.
- دخلت القوات المصرية “عكا” (مايو ١٨٣٢م)، ثم “دمشق” (يونيو ١٨٣٢م)، و”حمص” (يوليو ١٨٣٢م).
- عبرت الحدود السورية ودخلت “الأناضول” وتمركزت في “أدنه” (مفتاح الزحف نحو عاصمة السلطان).
- واصل الجيش المصري زحفه المذهل حتى وصل إلى “كوتاهية”، على أبواب “الأستانة” (إسطنبول).
اختر – كان دافع محمد علي لضم الشام أكثر إلحاحاً من ضم السودان وحرب الحجاز، لأسباب:
(أ) قومية ودينية. (ب) سياسية واقتصادية. (ج) عسكرية واستراتيجية. (د) ثقافية ودينية.
الإجابة: (ج) عسكرية واستراتيجية. (لتأمين المجال الحيوي الشمالي).
تسوية كوتاهية وتدخل الدول الأوروبية (١٨٣٣م)
أمام هذا الانهيار العسكري العثماني والزحف المصري السريع، سارعت الدول الأوروبية (خاصة روسيا وبريطانيا) للتدخل. لم تكن الدول الأوروبية ترغب في انهيار الدولة العثمانية السريع أو في قيام دولة قوية ومستقلة لمحمد علي تهدد مصالحها.
صلح كوتاهية (١٨٣٣م)
أجبر هذا التدخل السلطان العثماني ومحمد علي على عقد “صلح كوتاهية”. بمقتضى هذا الصلح، تم تثبيت حكم محمد علي على:
- مصر والحجاز وجزيرة كريت.
- توسيع نفوذه ليشمل “بلاد الشام” و “أدنه”.
قام محمد علي بعد هذا الصلح بعدة إجراءات في الشام لتوطيد سلطته (إخضاع الأمراء الإقطاعيين، تنشيط التجارة والزراعة، فرض نظام التجنيد).
محاولات الاستقلال والصدام النهائي (معركة نزيب)
لم يكن صلح كوتاهية إلا تسوية مؤقتة. فالسلطان العثماني كان يجهز للانتقام، ومحمد علي كان يخطط للاستقلال التام.
محاولات الاستقلال السلمية
في عام ١٨٣٤م، صارح محمد علي قناصل الدول الأوروبية بنيته في الاستقلال التام، لكنهم حذروه. وجدد محاولته مرة أخرى عام ١٨٣٨م، مستغلاً دسائس السلطان ضده في الشام، لكن الدول الأوروبية وقفت ضده مرة أخرى خوفاً على “التوازن الدولي”.
معركة نزيب (نصيبين) (يونيو ١٨٣٩م)
فشل السلطان في تحريض أهل الشام ضد محمد علي، فقرر المواجهة العسكرية الحاسمة. اشتبكت الجيوش العثمانية والجيوش المصرية عند “نزيب”.
النتائج:
- نصراً ساحقاً ومدمراً للجيش المصري وهزيمة شنيعة للجيش العثماني.
- قام قائد الأسطول العثماني بتسليم الأسطول بالكامل لمحمد علي دون قتال.
- أصبح محمد علي متفوقاً برياً وبحرياً، وأصبحت الدولة العثمانية على وشك الانهيار التام.
التدخل الأوروبي السافر: معاهدة لندن (يوليو ١٨٤٠م)
هنا، وصلت محمد علي إلى ذروة قوته، وهنا أيضاً قررت الدول الأوروبية الكبرى (ما عدا فرنسا) أن هذا التوسع يجب أن يتوقف فوراً.
أثارت انتصارات محمد علي قلق الدول الأوروبية، لأنها رأت في تقويض الدولة العثمانية خطراً على “التوازن الدولي” ومصالحها. لذلك، تحالفت (بريطانيا، روسيا، النمسا، بروسيا) مع السلطان العثماني، وفرضوا على محمد علي “معاهدة لندن”.
شروط معاهدة لندن ١٨٤٠
كانت الشروط قاسية ومصممة لتجريد محمد علي من كل قوته:
- يُعطى محمد علي وخلفاؤه “حكم مصر وراثياً”، وعكا (فلسطين) طوال حياته فقط.
- إعادة “جزيرة كريت” و “الحجاز” و “أدنه” وباقي بلاد الشام إلى السلطان العثماني.
- دفع جزية سنوية للسلطان.
- أن تكون قوات محمد علي البرية والبحرية جزءاً من قوات السلطان وفي خدمته.
- يلتزم محمد علي بتطبيق كافة المعاهدات التي عقدها السلطان، وعلى رأسها “معاهدة بلطة ليمان” (التي تنهي نظام الاحتكار).
- (شروط تهديدية بالعزل في حال الرفض).
موقف محمد علي وقبوله المعاهدة
في البداية، رفض محمد علي المعاهدة، بتحريض من فرنسا. واستعد للحرب، لكن سرعان ما تخلت عنه فرنسا، وقامت الدول الأوروبية بحصار شواطئه، وقام أهالي سوريا بثورة ضده. أمام هذا الحصار والضغط، اضطر محمد علي في النهاية إلى قبول شروط المعاهدة.
اختر – استجاب محمد علي لشروط تسوية لندن ١٨٤٠ نتيجة عدة عوامل منها:
(أ) انشغال المعارضة ضده من داخل حدوده. (ب) خروجه الجيش المصري في حرب الشام. (ج) إعلان السلطان عصيانه. (د) إعلانه الاستقلال عن الدولة العثمانية.
الإجابة: (أ) انشغال المعارضة ضده من داخل حدوده. (يقصد ثورة أهالي سوريا ضده وتخلي فرنسا عنه).
فرمانا فبراير ويونيه ١٨٤١م
بعد أن قبل محمد علي معاهدة لندن، أصدر السلطان العثماني “فرمانين” (مرسومين) عام ١٨٤١ لتثبيت الوضع الجديد، وتقييد ما تبقى لمحمد علي من سلطات.
أهم نصوص الفرمانين (القيود)
قضى الفرمانان بإنهاء مشروع محمد علي الاستقلالي تماماً، وربط مصر بالدولة العثمانية بعدة قيود:
- يتلقى حكام مصر (أبناء محمد علي) فرمان الولاية من السلطان.
- التزام مصر بتنفيذ كافة الاتفاقيات التي يبرمها السلطان.
- أن تُضرب النقود في مصر باسم السلطان وتُجبى الضرائب باسمه.
- إرسال “ربع” إيرادات الحكومة المصرية السنوية إلى السلطان (جزية).
- لا يزيد عدد الجيش المصري عن ١٨ ألف جندي وقت السلم.
- ألا تبني مصر سفناً حربية إلا بإذن من السلطان.
النتائج النهائية
كانت نتيجة هذه التسوية هي تأخير استقلال مصر عن الدولة العثمانية، وبقيت مصر “تابعة اسمياً” للدولة العثمانية حتى عام ١٩١٤. انهارت الرابطة العربية، وتقلصت إمبراطورية محمد علي لتقتصر على مصر، ولكن الأهم، أنه ضمن “حكم مصر الوراثي” لأسرته.
اختر – يرجع تقلص قوات محمد علي العسكرية من مائتي ألف جندي تقريباً إلى أدنى مستوياتها بسبب:
(أ) الاتفاقيات الدولية. (ب) انشغال الجيش بالحروب. (ج) كثرة الهروب من التجنيد. (د) التفاهمات السلطانية.
الإجابة: (أ) الاتفاقيات الدولية. (يقصد معاهدة لندن وفرمان ١٨٤١).